from Dr Tarek Ali Hasan

فكرتك يا خالد عن أن العصر الحديث يسمح بانتخابات الكترونية أمينة و مباشرة رائعة و حقيقية و يمكن للمجتمعات حقا أن تفرز حكومات ممثلة فعلا.
أ

تمني أن تجدوا في المقال المرفق ما يفيد وأن أقدم بفكري رغم الاعاقة الحركية كل ما أستطيع للمشاركة و لو بقدر ضئيل في حماية الوليد البديع الذي أخرجتوه للحياة من أصحاب المصلحة في اجهاض أو انكار الحدث أو اخنطاف المشروعية من أصحابها الشرعيين الأمناء عليها بالطبيعة. نريد أن نعبر مركبات النقص و التصغير و نفعل حلاوة أن لنا في مص الحق في دستور يتفوق علي أكثر دسلاتير العالم تقدما
طارق علي حسن

الدستور وروح الدستور

يشتد الجدال وكأنه تضليل عن القضايا الجوهرية في فرعيات بعيدة عن القضايا الأساسية والتحدي الأكبر، مثل قضية المادة 76، 77، 88، 93، إلخ، ومن الطبيعي أنها مواد مفصلة بالمقاس ومواد سيئة السمعة لدى أهل العدل و الموضوعية، ولكن القضية الحقيقية هي أن الدستور منظومة متكاملة من أهم عناصرها تفعيل معادلة مفتقدة عندنا وهي أن الشعب مصدر السلطاتأما الدستور المرقع الحالي فقد تكون في ظل فلسفة هدفها سحب التمكين من كافة فئات الشعب ومؤسساته، وفي ظل مشرعين وفقهاء قانونيين قرروا التسليم بطلبات السلطة الشمولية بممارسة ما سماه الشعب في حكمة بالغة ترزية القوانينليقدموا مظاهر التشريع الليبرالي بلا محتواه، مظاهر الدستور الحديث بينما هو عمليا وتطبيقا ينتمي إلي العصور الوسطي حيث لا فصل بين السلطات و لا ضمانات للحيادية والعدالة و لا حريات حقيقية إلا ما يمنحه الحاكم. و الحق أن ترزية القوانينو الدساتير هؤلاء برعوا في أن يأخذوا كما قال أ.د/ فتحي فكري رئيس قسم القانون الدستوي بجامعة القاهرة في حكمة بالغة يأخذوا بالشمال ما يبدوا أنهم يقدموه باليمين” .

وهكذا فإن الدستور الذي يحكمنا بل قل يخنقنا ككل هو في الواقع تفصيل عبقري لتدعيم جمهورية رئاسية أبدية، تختزل الشعب كله في شخص رئيس الجمهورية، وتهدر مبدأ الفصل بين السلطات، كما تهدر مهمة وضع آليات آمنة وأمينة لتحقيق التوازن بين السلطات، كما تهدر مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان ومتطلبات تمكين المجتمع المدني، رغم الظواهر التي تدعي عكس ذلك.

ناهيك على أن النظام الحالي أثبت أنه لا يكترث حتى بهذا الدستور المعيب و المتناقض الذي هو يكرس الفلسفة الشمولية وسحب التمكين من كافة طوائف الشعب و أحزابه و مؤسساته الأهلية و إعلامه وجامعاته و صحفه بل و قضائه، مع إهدار مبدأ أن الشعب مصدر السلطاتالذي يتشدقون به حتى خُرمت طبول الآذان عندنا، وكل التشريعات عندنا تطبق مصيبة أن السلطة مصدر السلطاتوالشعب مسحوب منه التمكين، وهذه هي القضية.

وفجأة نكتشف أن النظام وقاداته الذين أهدروا القانون وحتى الدستور الشمولي الذي يمسك بخناق هذا الشعب وحكموا بقانون الطوارئ ثلاثين سنة متوالية، فجأة أصبحوا مهتمين جداً بمبادئ القوانين وبالدستورية و بالشرعية والالتزام بالدستور، ولا نرى ذلك إلا محاولات فاضحة ومفضوحة لتصعيب عملية الدستور العصري الجديد، الذي تنادي به الآن كل طوائف الشعب في هذه الثورة البديعة العظيمة، والتي تمثل كنزاً عظيماً انبثق في المجتمع المصري، كان كل مخلص في هذا الوطن يتمناه ويحلم به، ألا وهو انبثاق الانتماء والإيجابية والإحساس بالمسئولية مع الانصهار المعجز لكافة فئات المجتمع من كافة الأعمار والطبقات الثقافية والاجتماعية والمناظير في سيمفونية تطالب بحقها في المشاركة في وضع القرار واختيار الحكام أو إعفائهم وببساطة في دستور يضمن انتخابات حرة تعددية تنافسية آمنة عادلة وشفافة لا مجال فيها لتلاعب أو تزوير لا تتدخل فيه سلطة تنفيذية أو شرطة و يضمن آليات حقيقة لحماية أمان المواطن و حقوقه حسب الإعلان العالمي لحقوق الانسان وهي وثيقة تستحق النشر و الدراسة بجدية من كل الأطراف الآن و أدعو لنشرها و تعميمها.

انبثاق دستور عصري جديد بالكامل بعد ثورة 25 يناير الرائعة ليس بمعجزة مستحيلة ولا معضلة، وعندنا أمثلة بدءاً من دستور 1923الليبرالي الذي تجاوزه الزمن و لكن يمكن أن يكون نواة لدستور مؤقت، إلى الدستور الذي أقرته لجنة 1954، قبل أن يتمكن فيروس خدمة الحكم الشمولي المطلق من المشرعين، وتحت يدينا للدراسة دساتير الدول التي عانت من دساتير الحكم الشمولي، ثم تحررت منها بنجاح مثل ألمانيا واسبانيا والأرجنتين والبرازيل، فليس معضلة مطلقاً على أساتذة القانون الدستوري ممن لم يتلوثوا بالعمل كترزية قوانين ، أو ممن لم يدوروا في فلك النظام الذي نخر الفساد في عظامه، أن يبدعوا و أن يصيغوا مشروع أو مشاريع لدستور حديث عصري يترجم المقولة البسيطة التي أُنكرت ولا تزال تُنكر حتى هذه اللحظة، ألا وهي الشعب مصدر السلطات“. فلنذكر بعد هذه الثورة المجيدة التي رفعت رأس المصريين في العالم أجمع والتي تمثل مثالا يحتذي لكل الشعوب في قوة اللاعنف الحضاري التعاوني المنسق، في مواجهة أقوي قوي الطغيان و العنف، حتي أن مبادئ الحرية والديمقراطية و العدل المكبوتة و المخنوقة في نفوس ملايين المهمشين و المظلومين في كل مكان أخذت من أولاد و بنات مصر يناير جرعة من الأوكسجين و التغذية و التعليم لن ينساها العالم، فلا أقل إذا من دستور كامل جديد و عصري بلا تحذلقات و فذلكات عدم شرعية تغيير هذه المادة أو تلك و في مقال تالي بإذن الله أتمني أن أقدم المبادئ التي يجب أن يؤكدها و يحميها دستور عصري يطلق ملكات المجتمع و إبداعاته و ينقله إلي النهضة الإنسانية و العلمية و الإبداعية و الاقتصادية. و لا بد أن أقرر أنني لا أشعر بالراحة مطلقا لمجرد إيقاف العمل بالدستور المعيب مع استمرار حالة الطوارئ بل لا بد من دستور مؤقت فوري ينظم النسيج القانوني للمجتمع و لحدود السلطة و حيث أنني أعلم أن الجيش المصري به المخلصين و الواعين علي كل المستويات فليسعوا يدا بيد مع الشعب و مع المشروعية الحقيقية إلي تحقيق الشرعية لأصحابها من خلال مجلس رئاسي يضم ممثلين الشباب محركين الثورة مع ممثل من الجيش المحافظ علي الشرعية دون أن يكون بديلا لها، و بعض من رموز العمل المدني ممن لم يتلوثوا بالدوران في فلك النظام أو علي أعتابه ويجري تكوين حكومة مدنية يشترك فيها أصحاب الشرعية الجديدة بعد أن مررنا و اختبرنا مأساة خواء وفساد الحزب الحاكم و خواء الأحزاب و خواء الممثلين عن الشعب، إذا حكومة مدنية نقية من أصحاب المشروعية و أفضل الكفاءات التي لم تلوث لتسيير الأعمال، بما في ذلك ضخ الحياة في شئون النشاطات الطبيعية للمجتمع و الإنتاج ريثما تقوم لجنة تأسيسية منتخبة بصياغة دستور جديد يواكب العصر بل و يسبقه كما تستحق مص الصابرة بحق، بعد أن أعطت ثورة 25 يناير درسا للعالم كلة في آليات التغيير السلمي، و تتم الانتخابات في ظل حكومة مدنية لها الشرعية و في حماية الجيش الأمين علي الشرعية وفي حماية الشباب الذين حموا الوطن فعلا فترات إنسحاب أجهزة الأمن و تضليلات أجهزة الإعلام الحكومي” . و هنا أكرر أهمية الدستور، الجديد برمتة، فلسفة و منظورا ومحتوي و نصوص و مواد أمينة لا تسحب بالشمال ما تقدمه باليمين، تفكك إلي غير رجعة البنيان الشمولي الذين تغلغل إلي كل أركان المجتمع و مؤسساته و تشريعاته المنظمة للتعليم و الجامعات و العمل الأهلي و النقابات والأحزاب تطبيقا لمبادئ أن الشعب مصدر السلطات، والأصل في الأمور الاباحة و العلانية و الشفافية و المسئولية في ظل القانون المدني ومواثيق حقوق الانسان وفي ظل إلتزام يحدده القانون المدني وصلاحيات الشعب و ليس الأجهزة الأمنية المختلفة العلنية و السرية وأتحفظ كثيرا علي منظور بعض المتخصصين و الفقهاء الذين قد يغرقوا في التفاصيل بدرجة أن ينفصلوا عن فهم الكليات التي تكشف الصورة الكلية 2011 لثورة فريدة تخطت 1919 و 1952 و نقلتنا و نقلت العالم إلي القرن الواحد و العشرين و ما بعده من مستقبل باهر و إمكانات فريدة للعدل و الحرية و حقوق الإنسان المؤدية إلي الإبداع مع تطور المعلوماتية و التشبيك و الوسائط المتعددة و الإبداعات البرمجية التي يمكن أن تؤمن إنتخابات و تبادل آراء محصنة ضد التزوير و التهديد والتلاعب. فلنسعد و نفخر جميعا بعظمة و ابداع ما تحقق و لنعلم أن الثورة في خطواتها الأولي الغضة لنسعي معا إلي تفعيل الإمكانات الهائلة و البديعة التي نراها كامنة و قابلة للتحقيق حالة تخطي محاولات الاجهاض والالتفاف والانكار والتقزيم و التي لا شك سيحاولها أصحاب المصلحة في استمرار الأمور مع تغيير الثياب و الألوان وبعض التعديلات التجميلية مع الحفاظ علي الجوهر الفاسد.

د/ طارق علي حسن

tarekalihassan.org

tali@idsc.net.eg